الشيخ باقر شريف القرشي
31
موسوعة الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب ( ع )
وقائم لا بعمد ، ليس بجنس فتعادله الأجناس ، ولا بشبح فتضارعه الأشباح ، ولا كالأشياء فتقع عليه الصّفات ، قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه ، وتحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته ، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته ، وغرقت الأذهان في لجج بحار أفلاك ملكوته ، مقتدر بالآلاء ، وممتنع بالكبرياء ، ومتملّك على الأشياء ، فلا دهر يخلقه ، ولا وصف يحيط به ، قد خضعت له رقاب الصّعاب في محلّ تخوم قرارها ، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها ، مستشهدا بكلّيّة الأجناس على ربوبيّته ، وبعجزها على قدرته ، وبفطورها على قدمته ، وبزوالها على بقائه ، فلا لها محيص عن إدراكه إيّاها ، ولا خروج عن إحاطته بها ، ولا احتجاب عن إحصائه لها ، ولا امتناع من قدرته عليها ، كفى بإتقان الصّنع له آية ، وبتركيب الطّبع عليه دلالة ، وبحدوث الفطر عليه قدمة ، وبإحكام الصّنعة عليه عبرة ، فليس إليه حدّ منسوب ، ولا له مثل مضروب ، ولا شيء عنه بمحجوب ، تعالى عن ضرب الأمثال له والصّفات المخلوقة علوّا كبيرا . . . وحفل هذا المقطع من كلام إمام الموحّدين بتوحيد اللّه وتنزيهه عن كلّ صفة من صفات الممكن الذي هو عرضة للزوال والفناء ، وأنّه تعالى غير خاضع لأيّ حدّ ؛ سواء أكانت من حدود الموجودات الخارجية أم غيرها ، وأنّه تعالى بقدرته التي لا نهاية لها قد أحاط بكلّ شيء من مخلوقاته التي منها هذه المجرّات المذهلة التي تسبح بالفضاء ، فجلّت قدرته ، وتعالى أمره ، وجلّت عظمته . إنّ هذه اللوحة من دعاء الإمام عليه السّلام من أجلّ وأسمى ما كتب ودوّن في علم التوحيد ، وتحليل هذه الكلمات ودراستها تستوعب صفحات كثيرة ، ويستمرّ الإمام